المثل الأعلى للأطفال

إن أطفال اليوم مثلما كنا ونحن أطفال لهم أيضا مثلهم الأعلى وبطلهم المبهورين به…. وهذا شئ جيد ولكن المشكلة أن في مجتمعنا الحديث يبدو أن عملية اختيار البطل أو المثل الأعلى شابها التشوش…فلا ينبغي أن تكون الشهرة هي المعيار الوحيد لجعل أحد الأشخاص قدوة للصغار كما يحدث الأن مع ولدي…فلهما الكثير من المعجبين بسبب شهرتهما كبطلين رياضيين ناجحين

أرجوكم لا تفهموا كلامي خطأ…بالطبع أنا لا أقلل من شأن ابني ونجاحهما….أنا أعلم أنهما يستحقا هذا الإعجاب سواء على المستوى الرياضي أو الأخلاقي…. ولكن  أنا أتكلم على ما  لاحظت من اختلاف بل واختلال المفاهيم اليوم عنها في الماضي…فالكثير من الأطفال يتعلموا أو دعني أقول يترك لهم حرية اختيار بطلهم ومثلهم الأعلى في الحياة وهو اختيارا يكون قائما في الغالب على مهارة معينة يتمتع بها هذا البطل المزعوم جعلته مشهورا… والأسوء أن القليل من هؤلاء الصغار المعجبين يسعون للتعرف على أخبار هذا البطل الشخصية أكثر من اهتمامهم بسر نجاحه ومهارته تلك. فلو اهتم الآباء والمسئولين عموما عن تربية الطفل وتنشأته بتعليمهم المعايير الصحيحة لاختيار المثل الأعلى لهم في الحياة…لكان الوضع اختلف اليوم كثيرا

وحتى أتمكن من توضيح وجهة نظري سأروي لكم موقفا حقيقيا… عندما مات أحد أصدقائي فجأة الأسبوع الماضي, وقف أحفاده الخمس في الجنازة يعتصرهم الحزن الشديد على فراقه…وقد بدا من كلامهم عنه أنه “بطلهم” ومثلهم الأعلى…. فقد التقطت مما قالوه عنه وهم يذرفون الدموع كلمات مثل “رجل مخلص”…” زوج حنون” …”يعمل بجد”…”أمين”….”لا ينكس بكلمته أو عهده أبدا”…” كانت الابتسامة لا تفارق وجهه”

الحقيقة أن هذا الرجل كان شخصية رائعة بحق….كان شخصا ناجحا في عمله… وكان يقوم بأكثر من عمل لكسب المزيد من الأموال ليضمن راحة أسرته…بل أنا متأكد أنه لابد وأنه عمل ليلا ايضا حتى يوفر لاسرته كل احتياجاتهم… ويفعل ذلك عن طيب خاطر ودون كلل أو ملل… بل كان سعيدا بما يفعل ويقدمه لهم. وليس بغريب أن يكون في أسرته ملكا… فكانت زوجته المحبة التي استمر زواجهما أكثر من 56 عاما نعم الزوجة له أيضا…ولم تكن قصة حبهما قصة حب باهتة مثل قصص حب اليوم.. ولكنه حب حقيقي عميق من الزمن الجميل الذي ينتموا إليه… فكان يسعى هو لكسب الرزق والعمل على عدم حرمانهم من شئ, وكانت هي تبذل كل جهدها لراحته وراحة كل أفراد الأسرة

ولكن منذ عشرة أعوام, تعرضت هذه الأسرة لأزمة كبيرة عندما أصيبت الأم بجلطة بالمخ… ومن يومها لم تعد تستطيع أن تقوم بدورها كربة منزل كما سبق ورعاية زوجها وأبنائها…بل باتت هي من تحتاج لرعاية… وبالفعل أصبح الزوج هو المسئول عن رعايتها .. وتولى هو كل ما كانت تقوم به من طهي وغسيل و تنظيف و تسوق…إلخ طوال هذه السنوات العشر وكل شئ أخر كانت تقدمه لهم هذه الزوجة المحبة

ومنذ عام تقريبا بينما كنت اتناول الفطار معه مندهشا من قدرته على ما يفعل نيابة عن زوجته ..وكيف يفعل هذا بالتزام كامل وبمنتهي السعادة…. الواقع أن إجابته أثرت في كثيرا ولم أنساها أبدا…فقد نظر إلى وعيناه مليئة بالدموع وقال لي:”يوما ما منذ 56 عاما وعدتها بذلك”…ولذلك ليس بغريب أن تسمع أحفاده في جنازته يقولون أن أهم شئ تعلموه منه هو الالتزام بعهودهم مهما كان الثمن

الشاهد في هذه القصة أن علينا أن نعلم أطفالنا أن شخصية مثل هذا الرجل هي الشخصية التي ينبغي أن تكون بطلهم ومثلهم الأعلى في الحياة…ويجب ألا نغفل عن أطفالنا ونتجاهل اتخاذهم المشاهير فقط قدوة لهم…. بل يجب أن نعلمهم من هو البطل الحقيقي ونبرز لهم الأشخاص الرائعين في محيط الأسرة والمعارف…. بالطبع بعض المشاهير كالابطال الرياضيين يستحق إعجاب الصغار… ولكن دعونا نعلم أطفالنا ما الذي يجعل الإنسان يستحق هذه المكانة

ارجو ألا تجعل الفكرة التي تحدثت عنها تمر عليك مرور الكرام واجلس اليوم أو غدا مع أطفالك وتحدث معهم عما يصنع “البطل الحقيقي”… واجعلهم يذكروا شخصا من العائلة أو المعارف يرون فيه هذا