ما هو الشعور بالوحدة؟

إن أكثر التعريفات شيوعا عن الشعور بالوحدة هو أنه الكرب النفسي الذي ينتج جراء وجود تضارب بين منظور العلاقات الإجتماعية المثالية والعلاقات الإجتماعية القائمة بالفعل.أي ما يطلق عليه: منظور الخلل المعرفي والذي يوضح أن الشعور بالوحدة ليس بالضرورة شعورا مرادفا لأن يكون الفرد وحيدا, ولا أن تواجد الفرد برفقة أخرين حماية له من الشعور بالوحدة..بل على العكس, الشعور بالوحدة هو الشعور بالكرب النفسي الذي يتولد عندما تكون العلاقات الاجتماعية القائمة ليست مرضية بالقدر الذي يرغب به الفرد

وهذا يبين كيف أن الشعور بالوحدة شعورا يمكن إداركه وقياسه, و كيف أن الشعور بالوحدة له انعكاسات نفسية , وأن له تأثير على الأفكار والمشاعر والسلوكيات, وأن للشعور بالوحدة عواقب على صحة الفرد وشعوره بالسعادة

وبالرغم من وجود اتفاق عام حول تعريف الشعور بالوحدة,فإنه يمكن إداركه بعدة طرق. فإحدى النظريات تبين أن وجود خلل في إحدى حلقات العلاقات الإجتماعية يساهم في تولد انواع محددة من الشعور بالوحدة فعلى سبيل المثال, افتقار التداخل في شبكة إجتماعية مرتبط بمشاعر الوحدة الاجتماعية مثل : اليأسِ والملل والاستبعاد الاجتماعي ومن ناحية أخرى, عدم وجود شخص قريب يعتمد عليه(مثل الزوج/الزوجة) يرتبط بمشاعر الوحدة النفسية مثل القلق والعزلة وعدم الأمان

وقد ظهرت الدراسات الحديثة, بالرغم من ذلك, أن هذان النوعان من االشعور بالوحدة ليسا مرتبطان بالضرورة مع نوعية معينة من العلاقات فالزواج ,على سبيل المثال,يخدم وظيفة التكامل الاجتماعي التي تقلل من كلا مشاعر الوحدة الاجتماعية والوحدة النفسية على حد سواء , خاصة للنساء

وتنص نظرية أخرى على أن الشعور بالوحدة يتولد نتيجة نقص المهارات الإجتماعية وطبيعة سمات الشخصية التى تضر بتكوين العلاقات الإجتماعية والمحافظة عليها. كما أظهرت الأبحاث التي تناولت المهارات الاجتماعية أن الشعور بالوحدة مرتبط بارتفاع التركيز الذاتي. وضعف مهارات جذب انتباه الشريك وافتقار مكاشفة النفس مع الأصدقاء – خاصة بين الإناث

وأظهرت الأبحاث التي تناولت الشخصية أن الشعور بالوحدة مرتبط بالخجل والعصابية و أعراض الاكتئاب بالإضافة إلى انخفاض تقدير الذات والتشاؤم

ولكن لا يمكن تفسير تأثير الشعور بالوحدة على الصحة الجسمانية والنفسية بوجه عام من خلال الخصائص السلوكية وخصائص الشخصية التى يرتبط بها الشعور بالوحدة. فهناك عوامل أخرى تدخل في الأمر مثل العامل الجيني. ولكن الجينات المسئولة عن الشعور بالوحدة لا تعمل وحدها , فالتفاعل مع البيئة هو الذي يحرك جينات الفرد , فهذا التأثير الجينى وراء اختلاف درجة حساسية الفرد تجاه الألم الأجتماعي الناتج عن الانعزال والرفض أو اختلاف استعداد الفرد لجذب ” الغذاء” الاجتماعي من البيئة المحيطة , فهو سياعد على تحديد إذا كان وجود البيئة الاجتماعية يقلل او يزيد من الميل للشعور بالوحدة

فقد تتضافر بعض الظروف الاجتماعية معا لحد كبير بحيث تزيد من الميل نحو الشعور بالوحدة. ويرتبط الزواج بانخفاض مستويات الإحساس بالوحدة, فمستوى الشعور بالوحدة أعلى بين المطلقيين والأرامل كما يرتبط عامل الموقف الذي يؤثر على تواجد الفرص الاجتماعية أيضا على الشعور بالوحدة مثل الموقع الجغرافي إلا أن قوة العلاقات الاجتماعية تعتبر مؤشرا أقوى من وجود هذه العلاقات الاجتماعية و عددها . فالعلاقات التي توفر الشعور بالأمان والراحة والثقة والسرور , وإن كانت غير كثيرة, أكثر فاعلية لدرء الشعور بالوحدة عن الصداقات والارتباطات الكثيرة التي لا تحقق هذه المعايير. وحتى في الزواج, فإن قوة العلاقة الزوجية هى التي تحدد درجة الحماية من الشعور بالوحدة

ولا يساهم الشخص الوحيد في واقعه السلبي فقط, بل يبدأ أيضا في النظر إليه على نحو أكثر سلبية والتصرف بناءا على ذلك. فمن يصنفه الناس على أنه وحيد يتصرفوا معه على هذا الاساس بأسلوب أقل اجتماعية عن أسلوبهم في التعامل مع الأشخاص الأخرين. فمجرد أن يبدأ الانطباع السلبي عن الشخص , تدور عجلة السلوك الدفاعي له والنتائج الاجتماعية السلبية وتنزلق نحو القاع

فجوهريا, الشخص الوحيد يدور في مدار العداء الاجتماعي فيصد الأخرين أو يولد ردود أفعال سلبية من قبلهم وحتى إذا نجحوا في الحصول على دعم من صديق أو حبيب , فإنهم يميلوا إلى تلقي العلاقة أكثر من العمل على التحرك لإقامتها

ويعتبر الرفض الاجتماعي أيضا سببا قويا للشعور بالوحدة ويميل الشخص الوحيد لان يكون أكثر حساسية تجاه تلميحات للرفض والقبول الإجتماعي في بيئته

لذلك, بالرغم انه من الممكن أن يصبح الفرد وحيدا نتيجة لتضافر الاستعداد الجيني مع حدوث مواقف سيئة, فهم يظلوا وحداء نتيجة للطريقة التى يفكروا بها هم والأخرين فالمرء قد يتوقع أن الشخص الوحيد الذي في حاجة ماسة لتلبية احتياجاته الاجتماعية سيتقبل أي رفيق جديد بسهولة.و لكنه في الواقع كما أشارت الدراسات لا يقبل الأصدقاء الجدد بسهولة كما يفعل غير الوحداء عندما تسنح لهم الفرص بذلك. وبالمثل ,أظهر الطلاب الوحداء في دراسات أخرى استجابة أقل تجاه زملائهم أثناء المناقشات التي تدور بالفصل, كما أعطوا عن أنفسهم خلفية أقل فاعلية وملائمة للموقف عن الطلاب الغير وحداء,كما أنهم كان لهم منظور أكثر سلبية نحو زملائهم في الفصل والذي يزداد بالطبع كلما انتقل الفرد من بين زملاء الفصل إلى زملاء الصف إلى زملاء الدور إلى زملاء المبني الواحد

نعم الشعور بالوحدة شعور سئ, ولكنه ليس بالضرورة ضارا.فمن ضمن المفاهيم التطورية عن الشعور بالوحدة أن هذه المشاعر السيئة دافع للتكيف لأنها تحفز الفرد على إصلاح علاقاته الإجتماعية أو استبدالها بعلاقات اجتماعية أخرى جديدة فالذرية البشرية ولدت بحيث لا تستقل عن بعضها البعض على الإطلاق على خلاف غيرها من السلالات. ولكن لو زاد الشعور بالوحدة عن الحد, فإنه يصيب الإنسان بالكثير من المضار لا النفسية فقط بل والجسمانية أيضا

فالشعور بالوحدة مرتبط مع التغييرات التي تطرأ على أجهزة الجسم : القلب والغدد والمناعة فالنموذج النظري الحديث عن ارتباطات الشعور بالوحدة وعواقبه يفترض أن الشعور بالوحدة المزمنة يسرع من حدوث التدهور المرتبط بتقدم السن في المرونة الفيسيولوجية وبالتالي, فإن الشعور بالوحدة بالنسبة للبالغين الشباب مرتبط بالعلامات المبكرة لأعراض الأمراض (مثل التغييرا الغير ملحوظة.ٍفي آليات التحكم في ضغط الدم, بينما الشعور بالوحدة بالنسبة للبالغين الكبار في السن مرتبط بالأمراض الظاهرة مثل ارتفاع ضغط الدم وجود خلل في بعض الأنظمة فيسيولوجية متعددة مثل وجود خلل في وظيفة الجهازالمناعي وارتفاع نسبة الهرمونات المسببة للضغوط النفسية وهو ما يعكس أن للشعور بالوحدة عواقب لا يمكن تجاهلها

Loading...